عبد الرحمن بدوي
220
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
تضاعف في ردّه إلى التساوي بالعمل إذ كان ردّه إلى حدّ الطبيعة المضمحلة يوازى ردّه من حدّ الطبيعة إلى حدّ التساوي . قال أفلاطون : فما كان استحالته من الماء كان صقيلا ، وما كان من الأرض كان قابلا للإذابة . قال أحمد : الاستحالات يكون أكثرها من الماء والأرض بالنار والهواء ، لأن الهواء والنار الركنان الفاعلان ، والماء والأرض الركنان اللذان يجرى عليهما أكثر الفعل . فيقول الفيلسوف إن الجواهر الصقيلة كالياقوت والزبرجد والبجادى وغير ذلك من الجواهر الصقيلة استحالتها من جوهر الماء جوهر صقيل راد الصورة . وهذه الجواهر أيضا كذلك والجواهر القابلة للإذابة كالذهب والفضة والنحاس استحالتها من جوهر الأرض ، فهي مجانسة للنار من أحد الطرفين ، فصارت أقبل لتدبيره ، إذ كان النار أحد طرفيه اليبس ، والأرض أيضا كذلك ، والماء والنار متنافران من الطرفين جميعا . قال أفلاطون : وليس الاستحالة في الأركان من هذين ، بل بالاستيلاء . قال أحمد : قد آن للطالب - بتكريرى القول في علل الطبيعة - أن لا يخفى عليه كلام الفيلسوف هذا . فمراده أن يعلمنا أنه ليس الاستحالات من الماء والأرض دون الهواء والنار ، إذ الأركان مداخلة بعضها لبعض . فما استحال من شئ فإنما يستحيل من الأربعة . فإذا نحن قلنا : استحال من الماء أو من الأرض فإنما نعنى به الجزء الغالب عليه الماء والأرض . قال أفلاطون : فلا تزال الأركان كذلك تختلف وتتغاير وهي في كل الحالات تنحلّ منها الأجزاء . [ 31 ا ] قال أحمد : إن الجرم إذا انتقل من هيئة إلى هيئة فلا يخلو أن ينحل منه الجزء الذي يصير إلى العالم العلوي ، وإن كان ما يرسب أكثر . قال أفلاطون : والمحصور المحاط به ، وإن انحلّ منه القليل فإنه في الزّمان الطويل يفنى - إلى أن قال : فكيف بالتدبير في الكل دائما ؟ !